خرج مؤتمر نقابة المحامين السوريين بجملة قرارات تضمنت اقتراح تعديل بعض مواد قوانين وأنظمة مهنة المحاماة, وقد بدأت تشق طريقها لتصبح قانوناً.
وفي الواقع فإن هدف النتيجة التي توخاها المؤتمر ينحصر بحماية فرص العمل من جهة, وبوضع ضوابط في منح المزايا وتعيين شرائح المستفيدين من تلك المزايا من جهة ثانية، في إشارة بالغةِ الدلالة إلى حجم المشكلة التي يعاني منها حوالي 90% من المحامين في سوريا وفق ما أكده نقابيون كبار للميزان في ملف هذا العدد.
رأى المؤتمرون أن سبب قَلَة فرص العمل هو تزايد أعداد المنتسبين إلى النقابة, لذلك قرروا تضييق مداخل تغذية ذلك العدد الآخذ بالتضخم, وإغلاق ما يمكن إغلاقه، ولكن..
• أبواب النقابة لم تصمد موصدة في وجه الوافدين من التعليم المفتوح, فقبلت انتسابهم على مضض.
• بعض أعضاء المؤتمر اقترحوا إغلاق باب الانتساب في وجه السادة القضاة, لكن بعضاً آخر، وربما كان يؤيد, حمل المؤتمر على رفض الاقتراح, مبرراً بالخشية من أن يغلق القضاةُ أبوابَهم في وجه أولئك المحامين.
• مدخل الأساتذة الجامعيين إلى المحاماة, كان هدفاً أيضاً، وأراد له البعض أن يغلق, بحجة قانون التفرغ الجامعي وكذلك بمقولة وجوب التفرغ لعمل المحاماة.. معركة مؤجلة.. لكنها آتية.
سهم النقابة أصاب أخيراً الحلقة الأضعف..الغائبة..غير المعرّفة, فقرر المؤتمر تخفيض سقف سن الانتساب من خمسين سنة إلى أربعين.. مستبعداً بذلك شريحة عمرية ستبدأ بالتشكل بعد أن يصبح قرار المؤتمر قانوناً.
مبتغى القول هنا ليس إعلان موقف من هذا القرار, وليس القرارُ بعينه موضعَ القول, فقد يكون لذلك مكان آخر.. لكنه فرصة للحديث عن فرص العمل.. فإذا قبلنا بأن الحدّ من أعداد المنتسبين يساعد في حماية فرص العمل، يبرز في هذا الإطار القول بفعاليةٍ غير ذات أهمية لقرار استبعاد شريحة عمرية محددة، في حماية فرص العمل، نظراً لضعف أثره في الحد من أعداد المنتسبين, إذ أن مسألة تزايد الأعداد لا يمكن ضبطها أو الحدّ منها بقرار كهذا, أمام تلك الأفواج القادمة من كليات الحقوق القديمة والمحدثة والتعليم المفتوح, فهناك أكثر من 2500 خريج سنوياً، والعدد إلى ازدياد.. ذلك في ظل ندرة فرص العمل خارج مهنة المحاماة.
وما تجدر الإشارة إليه هو أن المحامين في سوريا على موعد مع عولمة الخدمات القانونية التي تفرضها الاتفاقيات الثنائية ذات الصلة، وتالياً انضمام سوريا إلى منظمة التجارة العالمية، وأن ذلك يستتبع تحرير انتقال تلك الخدمات من القيود المفروضة عليها الآن. وكما يعلم المهتمون والمعنيون بشكل مباشر، فهناك اليوم مؤسسات قانونية وشركات محاماة تستعد لافتتاح مكاتبها في سوريا، بعد أن درست سوق العمل، من حيث الحجم والظروف، وهذا يعني معرفتها أن عدد المحامين لدينا كبير نسبة إلى عدد السكان بالمقارنة مع كثير من الدول العربية والأجنبية.
ومع أن إحصاءات غير رسمية، قالت بوجود أكثر من خمسة آلاف محامي لايمارسون المهنة، أي أن أكثر من ربع المحامين المسجلين في الجداول هم خارج المهنة عملياً. فإن هذا لاينفي، بل أراه يؤكد ضرورة وضع ضوابط حقيقية وفعالة لمنع انفلات التضخم الكمي، على أن تكون هذه الضوابط لمصلحة النوعية والكفاءة العلمية، ومن المفترض أن النقابة تملك حق الإنتقاء وفق شروط ومعايير موضوعية تستهدف الحفاظ على سمو المهنة، ولها أن تعدل في قوانينها بما يسمح لها بممارسة هذا الحق بشكل صريح وفعّال، بحسبان أن النقابة معنية بأعضائها وليست معنية بتامين فرص العمل لحملة شهادات الحقوق، فذلك منوط بالدولة بموجب نص دستوري.
أما حماية فرص العمل فلها درب آخر, يحميها بل ويوفرها أيضاً، لأن فرص العمل ليست محدودة، إنما هي مفتوحة وكبيرة، لكنها تحتاج إلى مناخ غير متوفر, تأمين هذا المناخ يصب أيضاً في خدمة المصلحة العامة متمثلة بمصلحة الوطن والمواطن وإعلاء شأن القانون.
باختصار شديد: تدعيم جسور الثـقة بين الموكل والمحامي, وبناء تلك الجسور حيث تكون غائبة, هو الأمر الملح, أما الثـقة المطلوبة فهي الثـقة بكفاءة المحامي والثـقة بأمانة الأداء، ذلك دون دفع ثمن تجريب الكفاءة أو الأداء، ومن أجل ذلك لابد من النهوض بمستوى أداء المهنة والارتقاء بها, ورفع السوية العلمية للعاملين فيها...
ومع التقدير العالي لما تقدمه النقابة، والاعتزاز بما يقدمه محامون بشكل فردي, تبرز الأهمية القصوى لمهمة النقابة في رفع مستوى الكفاءة والثـقة بالأداء، وهي مهمة تقتضي العمل في محورين, الأول باتجاه تمتين الثـقة بكفاءة المحامي أي محور التأهيل من خلال الدورات والندوات المستمرة على مدار العام, ونقترح أن تكون مأجورة لا مجانية، ولو بأسعار رمزية تغطي تكاليفها الحقيقية في الحد الأدنى, فدورة التحكيم المجانية التي أقامها مجلس النقابة، وهو عمل مشكور، فتحتْ باب التساؤل عن معايير الترشيح, كذلك فإننا ننظر إلى العدد الكبير من الحضور – محامين قدامى وجدد من كل أنحاء سوريا – على أنه دليلٌ قويٌ يؤكد الاستعداد لتلقي الخبرات والمعارف.. فانعقد أملٌ على استمرار دورات النقابة .. وارتكز التفاؤل بتحقيق هذا الأمل على وعد الأستاذ النقيب..
المحور الثاني هو أن تمنح النقابة غطاء ثـقة لأداء المحامي أمام الموكل, ورغم بساطة هذه الكلمات فإن نقلها إلى موضع التنفيذ يحتاج اعتماد معايير جودة أداء العمل كمكاتب ومحامين، وبناء مؤسسة رقابة ضخمة، ليس هنا موضع الحديث عنها، لكن واحدة من نتائجها تتمثـل في معرفة الموكل أن نقابة المحامين معنية – ودون حاجة إلى شكوى – بمراقبة عمل المحامي وضمان قيامه بواجبه على الشكل الأمثل في حماية وصون حقوق موكله, كما هو الحال بشكل ما في نقابة المهندسين أو الأطباء.. وبالتالي فإن المعاملات والإجراءات القانونية، التي يحتاجها المواطنون الأفراد وكذلك المؤسسات والشركات في كل القطاعات، سوف تكون موضع استشارة أو توكيل, ومازلنا هنا بصدد نتيجة واحدة، ولا أعتقد أن عزوف المواطنين عن طلب الاستشارة أو التوكيل - كلما أمكنهم ذلك- يعود لغياب الوعي القانوني كما يرى البعض, إنما أعيده لغياب الثـقة أو لنقل لضعفها في الدرجة الاولى, فغالبية الناس الذين تحقق أعمالـُهم فرصَ عمل للمحامين لا ينقصهم الوعي القانوني, إنما هم يحتاجون للاطمئنان والثـقة.. مع أن غياب الوعي القانوني أو نقصه موجود عند شرائح وفئات أخرى من الناس، يتجلى في ضياع حقوقهم أكثر مما يؤثر في تقليل فرص عمل المحامين، ولا بد أن تنهض النقابة ببرامج توعية تحدد فيها مسؤوليتها بالدرجة الاولى, ثم تعلن ما تحتاجه هذه البرامج من جهود المؤسسات المعنية الأخرى لتضعها أمام مسؤولياتها.
ونأمل أن لايحاول البعض جعل مسألة الوعي القانوني شماعة كشماعة الشاكين من غياب الوعي الضريبي والوعي التأميني والسكاني والإعلاني والبيئي, لتبرير الأرقام والنتائج المتواضعة عند استحقاق إعلانها من قبل المعنيين، كل في مجاله, مع غياب أي دور فاعل لهم في خلق ذلك الوعي أو تنميته.
أيمن بهلول