في أي قانون يجب أن تتحقق العدالة بين المواطنين باعتباره ينظم العلاقة فيما بينهم. وفي قانون السير، نجد أنه يطال سائق الآلية فقط في حوادث الإيذاء أو الوفاة دون ملاحقة المخالف الحقيقي. ففي ظل وجود الجسور والأنفاق نجد أن المواطن (المشاة) يخالف القانون بتخطيه الحدود وقفزه فوق السور والجزر الطرقية متسبباً الإيذاء لنفسه أو الوفاة لكن التوقيف يطال السائق ابتداءً. ولا ننسى حالة من يقود الدراجة النارية أو الهوائية أو يخالف قوانين السير
ويصطدم بالآلية الواقفة وتلك التي تسير وفق الأصول حيث نجد أن التوقيف يطال السائق فقط سواء كان طرفاً سلبياً أو ايجابياً بالحادث وإن لم يخالف قانون السير، وبعد التوقيف تبدأ المحاكمات وتنجلي الحقيقة لأن القرار الذي سيصدر يكون قد اعتمد على خبرة طبية وفنية تحدد نسب المسؤولية.
كما قد تحدث هذه الأمور على الطرق الرئيسية والدولية ومع ذلك لا يُسأل من خالف فحصل له إيذاء وإنما يُسْأَلُ السائق الذي التزم بالسرعة المحددة. إضافة إلى جانب آخر وهام وهو دور البلديات والمتعهدين الذين يسهون عن ردم الحفريات التي يقومون بها في الشوارع الفرعية والرئيسية، والمأساة تكمن عندما يقع الحادث مع شخص يقود سيارة وبرفقته زوجته أو أولاده أو أحد أصوله فيقع الحادث نتيجة هذه الحفريات أو بسبب بقايا الرمل والأتربة، فنجد وللأسف أن الأب يذهب للسجن والآخر للمشفى أو ... الخ وفي سياق هذه الحالات الاجتماعية يقف المحقق العدلي في حيرة من أمره حيث يجب ملاحقة المتعهد أو من كان مسؤولاً في البلدية عن الإهمال الذي أدى إلى هذا الحادث ولو كانت مسؤولية مدنية وبهذا تتحقق العدالة بصورة أفضل.
فالدولة عندما تبني وتشيد الجسور والأنفاق وبتكلفة مالية كبيرة ألا تكون الغاية منها خدمة المواطن وحماية سلامته؟ ومع هذا لا يلتزم بعض المواطنين باستخدامها ويخالِفون... وتشكل مخالفتهم إلى جانب مخالفة قواعد وقوانين السير أيضاً خطراً عليهم وعلى الآخرين ما يتطلب ملاحقتهم وعدم توقيف السائقين بمثل هذه الحالات لأنهم بالأساس ليسوا بمخالفين، ومن مبدأ العدالة أن العقوبة يجب أن تطال من خالف لأن القانون يجب أن يطال الجميع وهذا ما نقصده بتحقيق العدالة في مثل هذه الظروف وما يندرج تحت أحكامها وأمثالها.
لقد استفاد من هذا الأمر بعض المحتالين الذين يتجولون بين السيارات والآليات أثناء توقفها أمام الإشارات الضوئية أو لسبب ما فيقومون بمسرحية مع آخرين باتفاق مسبق تشعر السائق أنه صدم هذا المواطن (المحتال) وتسبب له بإيذاء، وعندها يبدأ الابتزاز دون أن يشعر السائق بأنه ضحية المحتالين وخوفاً من التوقيف. فما الحال إذا كان هذا السائق ذا منصب أو كانت امرأة هي التي تقود السيارة؟... وهكذا يقدم المحتال وبالتعاون مع الآخرين بحجة عدم الادعاء بأخذ المال الذي يرغب به... ففي ظل عدم وجود آلية تردع مثل هؤلاء أو معاقبة المخالف الحقيقي الذي تَسَبَّب بالإيذاء وهو من تجب ملاحقته، يتطلب الأمر في الحقيقة الجرأة واتخاذ القرار وملاحقة كل مخالف لأن القانون أشار إلى المخالفين ولم يحدد إن كانوا مشاة أو سائقين فجاء عاماً شاملاً. ولكن ما يجري في الواقع يخالف ذلك أو لا يطبق على الوجه الأمثل، مع التأكيد على مساءلة البلديات والمتعهدين الذين يتركون التربة والرمال وبقايا البناء لا يردمون الحفريات... الخ التي تسبب الحادث أو بالأحرى الحوادث عن طريق التدهور والاصطدام الناجم عن هذه الحفريات، دون أن ننسى موضوع الحيطة والحذر لدى السائق.
لن نطيل بهذا الموضوع والأمثلة كثيرة لدى المعنيين والمهتمين الذين يواجهون هذه الحالات أو ما شابهها.
يبقى أن ننوه بأن القضية في النهاية، سينظر فيها القاضي، الذي سيشكل خبرة فنية وطبية وهذا لا شك فيه، وسيصدر قراره اعتماداً على الواقعة وقرار الخبرة. ولكن القضية المقلقة هي التوقيف الأولي الاحترازي، قبل البت بأصل الحق، الذي قد يطول. فما ذنب شخص يسجن مدة من الزمن ثم يصدر القرار بعدم المسؤولية أو البراءة.
القاضي عبد الأحد يوسف سفر
المستشار في محكمة استئناف الجنح بدمشق