زارني السندباد بعد انقطاع، فرحّبت به، وسألته عن حاله وعن سبب انقطاعه، فاغتمّ، واكتأب، وقال: سفر رأيت فيه العجب.
فقلت: هات حدِّثني. قال: لا أحدِّثك إلاّ إذا وعدتني، قلت: بمَ أعدك؟
قال: بأن تروي عنّي ما رأيت في تلك البلاد من أمرٍ لا أستطيع إلاّ أن أسميه أفسدَ الفساد.
قلت: هات، ولا عليك يا سندباد.
قال: نزلت، رفع اللهُ مقامك، في بلاد خيّرة معطاء، يعيش أهلها في ضيق وعناء، نشيطون مجدّون، يكدّون ويكدحون، وبشقِّ النفس يحصلون على ما يأكلون ويشربون، فأسيت لحالهم، وتألمت لما هم فيه، إذ يأكل نفرٌ قليل منهم معظم خيراتهم، وتترك جموعهم للفقر والعوز والحرمان.
قلت: فهذا ما أغّمك، وأكأبك؟
قال: ليس هذا وحده، بل أشياء وأشياء، لو أردت سرد بعضها باقتضاب لاحتاج الأمر إلى كتاب. وكلّه مما يقع تحت اسم الفساد، وأنا أريد أن أحدثك عن أفسد الفساد ولكنّك تستعجلني.
قلت: كيف لا أستعجلك، ومساحة الورقة محدودة، والكلمات فيها معدودة؟!
هات الأمر من آخره.
قال: من باطنه أم من ظاهره؟
قلت: من ظاهره، ومن آخره. وفي إيجاز.
قال: الأمر في أوجز ما يكون أنّ أهل تلك البلاد يكرهون القضاء والقانون.
قلت: أعوذ بالله. فهؤلاء قوم لا يريدون الحقّ والعدل، ويجمعون بين الظلم والجهل.
قال: لا. إنّهم قوم كغيرهم من الأقوام، يتّفقون، ويختلفون، ومعظمهم طيّبون.
قلت: طيبّون، ويكرهون القضاء والقانون؟! فهم مثاليون، إذاً، يريدون الحياة وفاقاً، عذبَ المناهل، وبلا مشاكل.
قال: أنت تتطرّف، لا هذه ولا تلك. إنهم بشر عاديون، يتّفقون، ويختلفون، ويكون منهم ما يكون.
قلت: فما خطبهم والقانون؟!
قال: اقتربْ لأهمس في أذنك.
قلت: ويحك يا سندباد. تهمس في أذني؟! أأنت خائف وليس بيننا أحد؟! ثم هل نسيت أنك طلبت منّي أن أروي عنك؟! كيف أكتب همساً؟!
حدّق السندباد فيّ، وبدا عليه شيء من الارتباك، وصمت قليلاً، ثم قال: حسنٌ. سأروي لك. ولكن أنت من عندك لطِّف العبارة، واستخدم الإشارة، وقل ما يمكن أن يقال، فأنا أخشى أن أعود في سفرة أخرى إلى تلك البلاد فيأخذونني بما قلت، والله يعلم عند ذلك ما يكون المآل.
قلت: هات ما عندك، وأنا من عندي أدبّج عبارتك، وأموّه مقالتك، وأنا لك ضمين بأن أسلّك كما تسلّ الشعرة من العجين.
حكى السندباد.. وحكى.. وحكى، وهاكم ما حكاه بالشرط الذي ضمنته له:
قال السندباد يا كرام يا أجواد، إن الأسفار رمت به إلى ما وراء (واق الواق) من البلاد. وهناك رأى من العجب العجاب ما يشيب له الغراب، روى لي أقلّه، وكتم معظمه، لأنّه ـ كما تعلمون ـ رجل يحبّ أن يقف على الحياد، ولم يتورّط بعد أن مات بقراءة (طبائع الاستبداد)، فمما رواه لي عن العباد في تلك البلاد أنهم على الأغلب مصابون بما يشبه الجنون، إذ هم يمقتون القضاء والقانون، لأسباب قد لا تكون وجيهة، نورد بعضها على البديهة.
أولها: أن القضية إذا رُفعت، رُفعت وما وُضعت، بل تعلّقت في أروقة المحاكم سنين طوالاً كأعمار القشاعم (يُبحث عن معناها في المعجم).
وثانيها: أن حول تلك المحاكم يطوف سماسرة وشطّار ومرتشون، يوهمون قاصديها بأنهم إلى أهل الحل والعقد واصلون، ويبتزون منهم ما يبتزون.
وثالثها: المحامون. فهؤلاء صار يُشاع أنّهم يؤمّنون، ولا يُستأمنون، وأنهم قد يُخترقون من خصوم الذين هم لهم موكِّلون.. فماذا يُفعل بهم، وماذا يفعلون؟!
والأمر ما دام كذلك، فهو ضرب من المهالك، والإنسان في تلك البلاد إذا قامت بينه وبين إنسان آخر قضيّة، فهذا يعني أنّه صارت عنده قضيتان:
أولاها مع خصمه، وثانيها مع حَكَمِه، كان الله في العون، وألهم الرشاد.. فالقضية الأولى ربما كان منشؤها الفساد، أما الثانية فهي، والله، أفسد الفساد... ثم صمت السندباد.
عبد القادر الحصني